مقابلة مع الكاتب عزّام حدبا حول روايته “عرسنا في الجنة”

موضوع الحرب اللبنانية هو موضوع حساس للغاية، كيف استطعت أن تكتب عنه؟

أظنني تجنبت الاحراج عبر عدة وسائل: اولا امتنعت عن تسمية اي بلد او منطقة او مدينة او حزب او زعيم.. فكل الاسماء كانت وهمية.. ثانيا تكلمت عن أزمات انتهت واصبحت من التاريخ لا من شؤون السياسة المعاصرة حيث اننا باتفاق الطائف قد وصلنا الى رؤية جامعة ومشتركة حول هذه المواضيع واعترف الكل بخطاياهم.. ثالثا وربما هو الأهم لم انكأ الجراح وركزت على خطايانا نحن من باب النقد الذاتي داعيا في الوقت نفسه –وبشكل غير مباشر – الطرف الآخر ان يقوم بمبادرة نقدية ذاتية مماثلة.

برأيك، كيف يسيطر أصحاب النفوذ على الشباب بالحروب؟

عدة اساليب بلا شك.. والطرق نفسها مستعملة في الحرب والسلم:

شراء الذمم: حيث يسيطرون على بعض الشباب عبر منحهم جزءا من كعكة الفساد ومنحهم مناصب لا يستحقونها بالواسطة وهذا هو الخنوع الارادي

اذكاء النعرة الطائفية: وهذه تستعمل مع الجهال الذين يصل بهم الجهل الى اطاعة اسياد متحالفين ضمنا مع الخصم المزعوم (الذي يتقاسمون معه كعكة الحصص) ويحرمونهم في الوقت نفسه حتى من الفتافيت.. وهذه بنظري اقسى انواع الاستغباء .

فرض الأمر الواقع: وهذه الناحية تظهر في حالة الحرب أكثر مما تظهر في حالة السلم.. حيث ان فريقا من المتطرفين مهما قل حجمه قادر على جر الطائفة والوطن الى حرب اهلية اذا استطاع استفزاز المتطرفين في الطائفة المقابلة الى مجاراته. مما يضع الأكثرية الصامتة والمسالمة من الطرفين عندها امام خيار لا بديل عنه: الدخول في الحرب معه او الاستسلام لمتطرفي الفريق المقابل..

حبكة الرواية ذكية وصعبة الفهم من القرّاء الغير محنكين. هل كانت صدفة انك ربطت الأحداث بهذه الطريقة؟ أم كانت مقصودة؟

بداية لا اؤمن بشيء اسمه الصدفة.. ولكن اؤمن بما يقوله يقول المخرج دايفيد لينش: كي تكتب قصة عليك أن تؤمن انها موجودة كلها في غرفة أخرى.. لكنها لا تأتيك دفعة واحدة.. انما مفرقة على شكل قطع بازل وعليك انت ان تركبها.. تعامل مع كل فكرة تصلك وكأنها طعم.. طعم تجتذب به تباعا بقية الأفكار الموجودة في الغرفة الأخرى وهكذا الى ان تكتمل البازل.. أظن هذا ما حصل معي..

كيف تذكر الحرب الأهلية؟

حينما تترعرع طفلا في الحرب الأهلية فانت تتعايش معها وتصبح جزءا من واقعك اليومي.. بعض ما ذكرته عن أسامة كان عني.. أنا من كانت هوايته جمع الرصاص الفارغ والشظايا وبقايا الصواريخ اثناء الهدنة.. انا من كنت اطلب من اخي ان يرسم لي كل انواع الاسلحة حتى حفظتها عن ظهر قلبلم نكن جيلا نخاف الحرب فنحن ولدنا من رحمها ورضعنا من حليبها، كنا نتفرج على الصواريخ والقذائف وهي تنهمر فوق رؤوسنا كما يتفرج جيل اليوم على الألعاب النارية والمفرقعات.. وكنا نعرف نوع الصاروخ من ازيزه.. ثم كبرنا ونضجنا فأصبحنا أكثر حذرا مع ذلك لم يفارقنا اليقين ان هذه الحرب دائمة ولن تنتهي.. فكيف يمكن للميليشيات ان تسلم اسلحتها طوعا؟ ولم ستصمد هذه الهدنة او اتفاق السلام هذا وقد فشل أمثاله في السنين السابقة؟ لكن جاءت اتفاقية الطائف وحققت المستحيل ومن يومها كان الفرق.. ومن يومها بدأ الخوف.. ان كل طلقة رصاص اليوم تصيبني بالذعر.. فمن يفقد الامان بعد ان ذاق الامرين ليحصل عليه يفقد كل شيء.

هل تأثرت عند كتابة الرواية؟

طبيعي اني تأثرت.. الكتابة عمل مرهق وشاق خاصة كتابة الروايات.. بالتالي لا يمكن لكاتب ان يكتب رواية ان لم يقرر سلفا ان يعيشها جنبا الى جنب مع ابطال الرواية وبشاركهم السراء والضراء.. الكثير من القراء يظن ان أسامة يتكلم عني.. هذا غير صحيح.. لقد تقمصت كل شخصيات القصة حتى الإناث منها.. لا بل حتى المجرمين خاصة ابي كفاح والقناص ابي صقر.. وضعت نفسي مكانهم وحاولت ان اتخيل كيف كانت طريفة تفكيرهم أو مشاعرهم لتكون .. تخيلت حواراتهم الداخلية والخارجية.. ولن ابالغ اني انا ككاتب كنت افاجىء أحيانا بتصرفاتهم وردات فعلهم كما فاجئنا اسامة جميعا بتحولاته الكثيرة على مدى الرواية.. يقول احدهم: لا يمكن ان تبكي القارىء في فقرة ما من روايتك ان لم تبك انت اثناء كتابتها.. وأظن كلامه صحيحا.. اعرف بدقة المقاطع التي ستؤثر في القراء لأانها سبق وأثرت في حينما كتبتها.

إذا استطعت أن تغير أمرًا ما في الرواية، ماذا سيكون؟

الرواية بالنسبة للكاتب.. كالابن بالنسبة للأم.. لانستطيع تغييره او استبداله حتى لو لم تعجبنا بعض خصاله.. في هذه الرواية شيء من الوعظ المباشر.. ولكن هذا يعود لاستهدافي بها الشريحة الاسلامية.. أردت يومها أن اثبت اننا نستطيع أن نتكلم عن الحب باسلوب راقي وذلك كردة فعل على كثير من الروايات التي تناولته بشكل ماجن. كل ما استطيع قوله اني تعلمت منها ان اخفف من الوعظ المباشر في رواياتي التالية فالأدب الحقيقي ينبغي ان يتوجه لكل الناس وليس لشريحة معينة.

اترك تعليقاً

arAR
en_USEN arAR