الدروس المكتسبة من رواية “الرغيف” للكاتب توفيق يوسُف عوّاد.

رواية “الرغيف” هي إحدى الروايات اللبنانيّة الكلاسيكيّة. صدرت عام 1939 وقد كانت بمثابة حدث وقتها. كتاب جميل من الزمن القديم. عندما كان مضمون الكتاب ذات معنى. شعرت بالقشعريرة أثناء القراءة. تستطيع أن تتخيّل نفسك وسط الأحداث. ماشياً على الطرقات الرملية. راكباً الحصان. حاملاً السلاح في المعركة. فرحاً، منتشياً بالنصر. أجمل مقطع كان عندما تخيّلت نفسي نائماً على العشب ليلاً ناظرًا إلى السماء المليئة بالنجوم، أحلم بالحريّة.

تدور أحداث رواية “الرغيف” بين سنتي 1914 – 1918 أي خلال الحرب العالميّة الأولى على ثلاثة محاور رئيسيّة: المجاعة في لبنان، الشهداء الذين علّقهم جمال باشا على المشانق، والثورة التي قام بها العرب على الأتراك.

بالإضافة إلى مضمون الرواية الشيّق والسهل القراءة، تمتاز رواية “الرغيف” بتعدّد الدروس التي تحتوي عليها، نذكر منها ثمانية دروس.

الدرس الأوّل: لكلّ فعل ردّة فعل.

الظلم، من دون شك، سوف يدفع للقتل. عاجلاً أم آجلاً سوف يقوم الإنسان بالثورة على الطغيان. التاريخ يشهد ولكن الإنسان لا يتعلّم. كلّما ظهرت حضارة، زالت بعد حين. كلما ظهر طاغٍ مستبدّ، ثار عليه شعبه ولو بعد حين. كلّما ظلم مدير أعضاء فريقه، فشل المشروع ولو بعد حين. كلّما اشتدت قساوة الأهل على أولادهم، كلّما زادت فرصة أن يكذب الأولاد على أهلهم ويقومون بفعل أمور لا يقبلها أهلهم. يمكن للقائد أن يجعل شعبه طائعًا عن طريق العدل أو عن طريق الخوف. فالعدل سيحبب شعبه فيه ويجعله طائعاً حتى الموت. والخوف سوف يشجّع الشعب على الغدر بالقائد وعدم طاعته عند حدوث انقلاب. ولكل قائد طريقته في الإدارة. والحكيم منهم هو من يتعلّم من التاريخ.

الدرس الثاني: الجوع يدفع إلى سرقة.

سؤال يراودني.. متى تُعتبر السرقة.. سرقة! وهل دائماً تُقطع يد السارق؟ أم يد المؤتمن على الأمور الحياتية للسارق؟ كالنائب أو الغني الذي لا يدفع أموال الزكاة أو الأوقاف “الإسلامية” أو “المسيحية”..

إذا كان لديك متجر لبيع المنتجات الغذائية وحاول أحد الأشخاص المعتازين أن يسرق من متجرك لإطعام أولاده، هل تسامحه أو تضعه في السجن؟ وإذا وضعته في السجن، هل تكون فعلت الصواب أم أنّك ظلمته وحرمت أولاده من الطعام؟

وإذا مات أحد الأولاد بسبب الجوع بعد أن زجّيت الوالد في السجن، هل ستعتبر قاتلاً؟ أم القاضي الذي حكم على الأب بالسجن؟ أم الأب الذي لم يتمكن من تأمين لقمة عيش لأطفاله؟

وبعد خروج الأب من السجن، هل يعتبر الأب مجرماً إذا قتلك أو قتل القاضي بسبب قهره على ابنه؟

وإذا لم يقتلك ولكن توقّف الزبائن من الشراء من متجرك لأنك – حسب وجهة نظرهم – مَنعت عائلة من الطعام مما سبب بإفلاسك وإغلاق متجرك، هل يعتبر الأب هو السبب بقطع رزقك؟ أم كم تدين تدان؟

الدرس الثالث: احذر من عدوّك في الداخل أكثر من عدوّك في الخارج.

إنّ أكثر من يؤذيك في السلم والحرب هو عدوّك في الداخل. لذلك عليك أن تقطع رأس الأفعة قبل أي شيء آخر. يستحيل عليك أن تهزم منافسك إذا كان لديك موظف ينشر النميمة والاستغابة بين أعضاء الفريق. عليك أوّلاً التخلّص من هذا موظّف قبل أن يفسد الفريق بالكامل. في بعض الأحيان، من الممكن أن يكون عدوّك الحقيقي هو الفساد أو انعدام الكفاءة أو عدم وضع الإنسان المناسب في المكان المناسب. فمثلاً لا يمكنك الذهاب إلى الحرب إذا كان الجيش تديره الفوضى!

في الحرب، في الكثير من الأحيان، تخسر الأمم بسبب العملاء الذين يتخابرون مع العدوّ. يخدمون العدوّ للحصول على مكانة عند العدو تضمن لهم مستقبل “جميل” حسب رأيهم. هؤلاء الأشخاص هم ليسو أحرار. فاحذر من عدوّ الداخل، واقدم على التخلّص منه قبل هزم عدوّك. لأنّه سوف يجعل مهمّتك مستحيلة.

الدرس الرابع: كن شجاعاً مؤمناً صابراً تنتصر.

لم أجد أي إنسان ناجح لم يكن صابراً ومؤمناً بالنجاح خلال مسيرته. الأمور الجميلة تحتاج للصبر. أمّا في ما يخص الحريّة، فالحريّة للشجعان. للشعوب المؤمنة بأنها تستحق الحريّة. للشعوب التي تعلم أن جميل النتائج لا تأتي بلا صبر وثبات على القيم. لأن الشعب إذا أراد الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر. أما الجبناء، فلا حريّة لهم.

سُجن نالسون مانديلا لمدّة 27 عاماً، ثم خرج رئيساً لجنوب أفريقيا. حتى أن نالسون مانديلا لم يثور ويشاغب قبل أن يسجن فقط، بل خلال فترة سجنه أيضاً. آمن بالحريّة وسعى لها وكان ثمن الحرية السجن والتعذيب وكان ثمن الصبر والإيمان هو أنّه أصبح رئيساً للبلاد.

الدرس الخامس: لن يفلح من يقف مع الشر.

هناك قاعدة ذهبية تعلّمتها من الصغر وتأكّدت منها بعدما قرأت سيَر ذاتية وكتب تاريخية. القاعدة هي أنّ كل ما يبدأ خطأ، ينتهي خطأ. وقد ذكرت هذا الأمر في إحدى المقالات السابقة.

مثلاً: إذا بدأت عقداً ما وكنت ناوياً على الخداع، فمصير هذا العقد سيكون حتماً خسارةً ما. إما خسارة صديق أو شريك أو أموال أو شركة، إلخ.. لدينا مثل نردّده في لبنان: حبل الكذب قصير. إذا كذبت سوف تنكشف يوماً ما.

فكما تدين تدان. إذا سرقت من خلال تجارتك. ربما لن تخسر تجارتك، لكن ربما ستمرض مرضاً ينسيك الراحة مدى العمر. أو إذا تعاملت بمال الربا، ربما لن تخسر أموالك، لكن من الممكن أن تخسر ابنك.

الدرس السادس: في التضامن قوّة.

فلنعكس الدرس. إذا تصرّف كل فرد من المجتمع بما يناسب هواه ومصلحته ستكون النتيجة خراب المجتمع. وهو أمرٌ ليس من الضرورة أن يناقشه اثنيْن لأننا مع الأسف نعيشه في مجتمعنا.. وكذلك الأمر مع الثورة السوريّة وقيادتها.

فما نتيجة التضامن؟  عندما يتمتّع الفريق بروح واحدة تعمل لتحقيق هدف واحد، أعضائه تعمل لرؤية واحدة على استراتيجية واحدة سيصبح العمل انسيابي، سلس، تعترضه القليل من المشاكل وتحقق أفضل النتائج.. على سبيل المثال، شاهد الفيديو. هذا الفيديو يعرض اعمار مبنى من ثلاثين طابقاً في الصين خلال خمسة عشر يومًا فقط.

كيف تمكّنت الشركة من يناء هذا المبنى في هذه المدّة؟ السبب هو  الإدارة الممتازة للمشروع. فكل مهمّة لها وقت محدّد لتنفيذها والانتهاء منها ولها عمّال محدّدون يعرفون ما هي المهمات المسندة إليهم. وهناك من يدير كل فريق على حدة. هذه هي الإدارة الرشيدة والفعّالة.

الدرس السابع: الطمع يضر..

دوماً أتسائل لماذا لا يقوم الشيخ الطاعن في السن بالطلب من أحد الأئمة الآخرين بالإمامة! لماذا لا يلتزم بإلقاء الخطبة بما أن عمره لا يسمح له بتذكّر الآيات جيّداً أو الإمامة بطريقة سليمة. ربما هدفه سليم. ولكن النتيجة سوف تكون بعدم شعور المصلّين خلفه بالراحة.

عندما تقوم الحكومة بأخذ إجراءات تعسفيّة لأنّها تطمع بالأموال المنهوبة وزيادة ثروات أعضاء الحكومة فبشّر بالفساد وانتشار الأمراض والظلم وبإفلاسٍ قريب.

ومن الأمثلة أيضاً عندما يطمع أحد أعضاء فريق كرة قدم بأن يكون أكثر مسجّل للأهداف في بطولةٍ ما طمعاً بالسُمعة والكأس. فيقوم بتسديد الكرة كلّما سمحت له الفرصة مع عدم التسجيل. فيحرم فريقه من الفوز. ويخسر الكأس. ويسبب أذا نفسي لباقي أعضاء الفريق.

الدرس الثامن: الحريّة لها ثمنها.

ذكرنا في الدرس الرابع أن الحرية للشجعان. فالحريّة لها ثمن. ثمن الحريّة هو الشعور بعدم الأمان خلال فترة الانتفاضة. ثمنها في بعض الأحيان الموت لكي تعيش الأجيال المقبلة حرّة ومستقلّة. ثمنها السجن والتعذيب. الغربة. الابتعاد عن من نحبّ.

الحريّة ليست مجرّد كلمة. بل هي إحساس وفكر. البعض يرفض الحريّة لكي يظل تابع لذلك السياسي أو ذاك القائد. أولائك لا يكرّمهم التاريخ. الإنسان الحرّ هو إنسان كالطير، لا حدود له. يتفكّر ويبتكر وبخترع ويأخذ قراراته بنفسه. المجتمع الحرّ هو مجتمع راقي يتطوّر ويتقدّم من دون أن يكون التقدّم والتطوّر هدفه. لذلك قلنا، الحريّة للشجعان. أما الجبناء، فيحتاجون لمن يأخذ قراراتهم عنهم.

وبهذا نكون قد انتهينا من الدروس الثمانية التي اكتسبناها من رواية “الرغيف” للكاتب توفيق يوسف عواد. نتمنّى أن تكونوا قد استفدتم من الدروس التي ذكرناها ونتمنّى كذلك أن تصبح هذه الدروس جزء من حياتكم اليوميّة لعلّنا نساعد بعضنا على جعل هذا العالم مكان أفضل لأولادنا والأجيال المقبلة.

لا تنسوا مشاركة المقال مع أصدقائكم وعلى مواقع التواصل الاجتماعي وترك تعليق إذا أحببتم والتفاعل مع المنشور من خلال وضع “أعجبني” أو “أحببت” وقراءة المقالات السابقة ومتابعتنا لقراءة المقالات القادمة. وشكراً.

اترك تعليقاً